الديمقراطية من أمن الإنسان
كتبهامحسن مرزوق ، في 11 نوفمبر 2009 الساعة: 09:04 ص
في بداية شهر مايو 2009، برعاية من وزارة الخارجية القطرية، وفي إطار منتدى الدوحة للديمقراطية والتجارة الحرة، نظمت المؤسسة العربية للديمقراطية، أول لقاء حوار مدني عربي أميركي لاتيني حضرته نخبة ممتازة من الجانبين. ومن أبرز الحضور رئيسا بوليفيا والبيرو السابقين.
ما زلت أذكر صوت الأخير، الرئيس تولادو، وهو يكرر أن الديمقراطية يجب أن تقدم خدمات للناس، أي أن يكون النظام الديمقراطي قادراً على تلبية الحاجيات التنموية، وألا يكون مجرد لعبة أدوار سياسية تستفيد منها النخبة فقط.
لم ينبع موقف تولادو من فراغ، وإنما من رؤية كان عبر عنها قبله ببراعة المفكر الهندي آماريتا سن الذي اعتبر أن الحرية تنبثق حينما يتحرر الإنسان من الخوف ومن الحاجة، فالخوف ذو الطابع السياسي والحاجة ذات الصفة الطبيعية متداخلان في عملية إذلال الإنسان.
ولا نصطف بهذه المقاربة في الموقف الإرجائي الذي يعبر عنه البعض ممن يرى أنه يجب تأجيل البعد السياسي للانتقال الديمقراطي حتى يحرز تقدما في مجال التنمية، فالموقف الإرجائي لا يجد أي سند في التجربة التاريخية، كما أنه لا يستطيع أيضا تحديد كيفية نجاح أنظمة فاسدة وغير قادرة بفعل تهالكها السلطوي في تحقيق التنمية.
المطلوب من الديمقراطية باعتبارها نظاماً تعاقدياً سياسياً أن تتظلل برؤية لها مشروعية الوفاق الوطني تجعل من النظام الديمقراطي أداة للارتقاء بأمن الإنسان لا العكس، فلا يوجد نموذج ديمقراطي مطلق وثابت يحكم عليه بأن يكون فقط صندوق اقتراع.
على هذا الأساس، بدأ مفهوم الأمن الإنساني يعود بقوة على الساحة الدولية لكونه قادراً على تأطير النظام الديمقراطي في منظور تنموي (بيئي) إنساني من جهة وعلى ربط المنظور التنموي البيئي الإنساني بالنظام الديمقراطي. وتأسس باعتباره باراديغماً له قدرة توجيهية ينتصر للإنسان باعتباره موضوعاً واحداً لتنوع الاستراتيجيات التي تسعى للنهوض بإنسانيته. ويختلف مفهوم الأمن الإنساني عن مفهوم التنمية كونه أشمل منها بما يتجاوز المنظور التنموي الذي يركز على قضايا الحاجة أكثر من قضايا الخوف.
فمفهوم التنمية، رغم كل العمليات الجراحية التجميلية التي أجريت عليه، بقي سجيناً لسيميائيته الأصلية التي تعود به إلى إيديولوجيا التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي حفلت به أدبيات الدول ذات الحكم الإرادي، خاصة الدول المستقلة بعد الحرب العالمية الثانية، ولقد وقعت صياغة المفهوم المتداول للتنمية بوصفه نقيضاً لمفهوم التخلف، وبني المفهومان من وجهة نظر اقتصادية واجتماعية أساساً، أما البعد السياسي فاحتكرته الدولة النخبة صاحبة المشروع التنموي.
ولم تنفع كل عمليات التجميل والإضافة التي أنتجت مفاهيم التنمية «الإنسانية» أو «الشاملة» أو المستدامة في تغيير المعنى الأصلي.
أما باراديغم الأمن الإنساني فهو صياغة ذكية لمفهوم الأمن بإعادته لموضوعه أي أمن الإنسان، وهو يشكل تحديا لاحتكار الأقلية للأمن في المعنى وفي الممارسة، مما يجعله ذا صبغة سياسية واضحة، ومن هذا المنظور فإنه يرتبط بشكل ومحتوى السلطة السياسية بما يعطيه شرعية الربط بالمسألة الديمقراطية دون إغفال كل القضايا الأخرى المتعلقة بحاجات الإنسان المتنوعة.
وعندما يعتمد هذا البراديغم لقراءة المنطقة العربية فإنه ينفتح على مقاربة رابطة لقضاياها المتنوعة. من موضوع الاحتلال والحروب والنزاعات إلى الماء والبيئة والطاقة والتنمية والانتقال الديمقراطي، إنه بمثابة إطلالة من شرفة في الطابق الأعلى تعطيك زاوية رؤية واسعة على المشهد برمته في حين لا تسمح المفاهيم الأخرى سوى بمشهد جزئي.
ففي كثير من الأحيان تعد بعض الحقائق عائقاً أمام المعرفة إذا كانت مطلقة أو جزئية، وإن كان من الشرعي التركيز على عوامل محددة دون غيرها لأغراض منهجية فإن الفرض المنهجي الأعلى يجبر على الاستناد إلى رؤية سلسة ذات قدرة على ربط العوامل ببعضها.
وهذا افتراض يصح بشكل خاص على واقع منطقتنا العربية، حيث تتشابك العوامل بعضها ببعض، فلا يمكن الفصل مثلاً بين قضايا السلام والتنمية والديمقراطية بحيث يتوجب ربط المسارات ببعضها دون شرطية ودون تجزيئية ولا إرجائية.
وبكل أسف لا تمتلك المنطقة العربية مؤسسات ولا أدوات تسمح لها بتطوير رؤية شاملة للأمن الإنساني بترابط قضاياه، ولعل الوقت ما زال سانحاً لتجاوز هذا النقص، طالما توفر طرف عربي حكيم يمتلك الجرأة والذكاء الاستراتيجيين اللازمين ليستطيع التصدي لهذا الدور المطلوب.
وعليه فقد يكون من المفيد الآن النظر في تأسيس مجلس إقليمي أعلى للأمن الإنساني يصبح ورشة تفكير وتخطيط وعمل يعطي لمنطقتنا أكثر ما تحتاج إليه، أي رؤية شاملة ومتكاملة للحاضر والمستقبل.
وإن كتب لمؤسسة كهذه أن تشهد النور فيجب أن تتمتع باستقلالية كافية لتتميز عن الوقتي والمتغير السياسي لتبقى متعلقة بالاستراتيجي الذي نحوه يجب أن تشرئبّ الرقاب والأنوف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج

























نوفمبر 11th, 2009 at 2:40 م
تحياتي لاستاذي الكريم
..بداية اعتذر منك ان منحت نفسي الخوض في هذا المجال المستعصي على الفهم احيانا ..الا اني وكواحد من شعوب العالم العربي لا افهم من الديموقراطية سوى كونها كلمة حق يراد بها باطل .
وان اردت القيام بعملية صبر للاراء ساكون اول من يعبر عن رايه بصراحة قائلا ** اني افضل ان اعيش في بلد تنموي يكفل لساكنته العيش الكريم على علة نظامه بدل العيش في بلد مفقر ويتمتع مواطنيه بحق التعبير المجاني .