على رغم كونها استمرت لقرابة الشهر، فاجأت الثورة التونسية بزخمها الختامي الذي أرغم الرئيس زين الدين بن علي على الهروب، النخب المحلية الحاكمة والمحكومة. كما فاجأت نتائجها المثيرة القوى الدولية بما فيها تلك التي تراقب الوضع التونسي عن كثب لمدة طويلة مثل فرنسا.
ويمكن تلخيص نموذج الثورة الديمقراطية التونسية بكونها كانت تعبيرا عن حركة اجتماعية جماهيرية طاغية وطبيعية، استطاعت أن تتكثف سياسيا في لحظة قوية وحاسمة، وكانت قوتها وسرعتها تتجاوز ديناميكيات النسق السياسي المحلي وقدرة محيطها الخارجي على التفاعل معها.
وقد أدت حرب الاستنزاف الطويلة بلا شك التي خاضتها شخصيات ونخب عديدة، إلى إحداث ثقوب متعددة في جدار مشروعية نظام بن علي. لكن المعركة الفاصلة بين يومي 13 و14 يناير/كانون الثاني 2011، تجاوزت كل التوقعات، فتحوّل ما اعتبر انتصاراً كبيرا إثر خطاب الرئيس السابق بن علي يوم 13 يناير/كانون الثاني وما جاء فيه من تنازلات، إلى مكسب لا قيمة كبرى له عندما أرغم المتظاهرون في اليوم التالي بن علي نفسه إلى الهروب، ما أدى إلى انهيار نظامه برمته.
لقد كان لهذين العاملين، أي عامل المفاجأة وعامل تأخر النخب والقوى الدولية عن حركة الجمهور، دوراً في ما أعقب 14 يناير/كانون الثاني من فترة تردد وشعبوية واضطرابات قد تعطل على المستوى القصير والمتوسط مسار الانتقال الديمقراطي، إذا لم يتم تداركها من الآن.
ومع بداية عودة الهدوء إلى تونس بعد الانفلات الأمني ومحاولات قوى عديدة إجهاض الثورة بطرق متعددة، من المهم التساؤل عن الأدوار المقبلة لقوى ثلاث يشكل تفاعلها محرّك عملية الانتقال الراهنة.
هذه القوى هي حسب ترتيب الأهمية: الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني التونسية، فالحكومة الانتقالية، وأخيرا القوى الدولية وخاصة جيران تونس، الجزائر وليبيا، فأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
وإذا بدأنا عكس هذا الترتيب، أي بالسياق الدولي، سنلاحظ أن أحد أهم المخاوف غير المعلنة للحكومة الانتقالية والنخب التونسية حاليا يتمثّل في الموقف الليبي الغامض. فالزعيم القذافي لم يتردد في الإفصاح علنا عن معارضته للثورة وغضبه من عزل الرئيس السابق، وذهب إلى حد القول بأن بن علي يستحق أن يبقى رئيسا مدى الحياة لتونس. وعلى رغم محاولاته تلطيف موقفه لاحقا، فإن التوجس من ردود فعل القذافي ستبقى قائمة. وسيكون من الهام متابعة تطور سياسته تجاه تونس خاصة في المجال الاقتصادي، حيث يشكّل التبادل التجاري بين البلدين وتوافد السياح الليبيين مصدر دخل هام لتونس.
أما الجار الغربي، الجزائر، فقد كان موقفه الرسمي باردا واكتفى بالتعبير عن احترام إرادة الشعب التونسي. لكن الذاكرة لازالت تحفظ كل عبارات الاعجاب التي كان الرئيس بوتفليقة يكيلها لنظام بن علي. وهو ما يجعل الأنظار، في هذه الحالة أيضا، متركزة على الموقف الجزائري الملموس كما سيتجسد في مجال التبادل الاقتصادي بين البلدين.
في كل الحالات، المواقف العربية من تونس وخاصة مواقف الجيران ستتحدد بمدى قدرة أنظمتها السياسية على تحمّل وجود نظام ديمقراطي على حدودها قد يشكل إلهاما لشعوبها التائقة هي أيضا إلى الإصلاح والتغيير.
على المستوى الدولي، يمكن القول أنه بعد المفاجأة الأولية، تطور موقف أوروبا والولايات المتحدة في اتجاه العمل، بشكل محتشم، على دعم مسار الانتقال الديمقراطي التونسي. وتجسّد ذلك من خلال وعود أوروبية بتقديم دعم مالي واقتصادي عاجل لتونس، إضافة إلى تسريع مسار مفاوضات منحها مرتبة الشريك المتميّز، وهي مرتبة لم يستطع نظام بن علي الحصول عليها لاعتبارات من بينها عدم احترامه لحقوق الانسان.
كما التزمت أوروبا بتجميد أرصدة بن علي وعائلته في أوروبا وبالتعاون مع الحكومة التونسية التائقة لاستعادتها.
على رغم هذه الوعود، لا يزال الموقف الأوروبي دون المطلوب، وعلى الأقل دون سقف منطوق خطاب أوروبا الداعم لحقوق الإنسان والديمقراطية. فنحن لم نسمع إلى الآن من القيادات الأوروبية الكبرى التزامات معلنة وقوية لدعم الثورة التاريخية التونسية. كما يتواصل الخجل الرسمي الأوروبي الذي تمثّل في عدم الضغط بشكل كاف على بن علي خلال محاولاته قمع الثورة، ويتجسد الآن بعدم إعلان الالتزام الواضح والقوي لدعم الثورة المنتصرة.
أما الموقف الأمريكي فقد تميز بقوة النبرة السياسية الداعمة للشعب التونسي قبل وبعد انتصاره، من جهة، وبضعف إجراءات دعم هذه الثورة خاصة في المجال الاقتصادي، من جهة أخرى. فالشعب التونسي ليس في حاجة فقط إلى كلمات الإشادة السياسية وإنما هو الان في حاجة إلى دعم مساره الانتقالي وتلبية حاجيات اجتماعية واقتصادية متزايدة.
ويمكن القول أن المطلوب من القوى الدولية لدعم مسار هذا الانتقال يتمثل في النقاط الأربع التالية:
- الدعم الحازم للثورة التونسية وحمايتها من أية تاثيرات خارجية قد تكون سلبية عليها
- تقديم الدعم الاقتصادي الفوري لمساعدة الحكومة التونسية الانتقالية على مواجهة ظرف صعب خلال الفترة المقبلة
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ